هل يعبر ابناؤنا عن مشاعرهم؟ كثيرا..
هل نستمع الى مشاعرهم؟ ربما..
هل نتفهم هذه المشاعر ونوجهها بالطريقة الصحيحة؟ نادرا..
نصل اليوم الى الجزء الاخير من دورة التربية الذكية..
وهو جزء حساس.. ومهم.. وتغفل عنه الكثيييير من الامهات للاسف.. وهو السبب الرئيسي للكثير من التصرفات السلبية في أجيال اليوم. فتشتكي كثير من الامهات من ان ابنها قد صار عدوانيا او عنيدا او انطوائيا، وقد تعيد الامر الى انها طبيعة هذا الجيل, او انها “فترة وتعدي”.. او.. او…
ولا يخطر ببالها ابدا.. ان السبب هو ان الطفل يعبر عن مشاعره السلبية بهذه الطريقة.. لانه لا يجد طريقة اخرى افضل..!
نعم.. نحن من ندفع ابناءنا للتعبير عن مشاعرهم بهذه الطريقة السلبية..
الغضب يتحول الى ضرب وعنف..
الاستياء يتحول الى سباب او شتيمة..
الاحباط يتحول الى انطواء وانعزال..
التذمر يتحول الى عناد والمزيد من العناد…….
ما الذي يدفعهم للتعبير عن مشاعرهم بهذه الطريقة؟؟
ببساطة لاننا لم نستمع الى مشاعرهم!
كيف؟؟ انا اتحدث مع ابني طوال اليوم.. انا اتناقش مع ابنتي كل الوقت..!
ربما.. لكن تعالي لنلقي الضوء على نموذج من تلك الحوارات والنقاشات:
***
* يأتي ابنك مذعورا
من حشرة صغيييرة رآها على الارض: ماما .. الحقيني.. رأيت حشرة مخيفة..
تردين على الفور باستخفاف: لا يا ابني عادي لا تخف.. هذه مجرد حشرة.. تعال سأريك كيف انها صغيرة لا تفعل شيئا!!
* تأتي ابنتك قلقة
من الحبوب والبثور التي بدأت بالظهور على وجهها: أمي.. الفتيات في المدرسة يسخرن مني ومن الحبوب في وجهي.. و…
تقاطعينها بكل ثقة: لا تلقي لهم بالا يا ابنتي.. انا عانيت مثلك من البثور.. وها هو وجهي امامك صاف تماما.. انها فترة وتمضي.. و”طنشي” كل التعليقات السخيفة حولك….
* يأتي الولد الى ابيه غاضبا
من اخيه ويصرخ قائلا: أبي.. انا اكره اخي.. انه يستولي على كل العابي..
فيصرخ الاب بوجهه
قائلا : كم مرة قلت لك الا تصرخ هكذا؟؟ الا تستحي يا ولد؟ ثم كيف تكره اخاك؟ عيب عليك.. يجب ان تحبه وتحترمه.. لا اريدك ان تكره اخاك مرة اخرى!!!!
* تأتي البنت الى أبيها سعيييدة فرحة بالرسمة التي انهتها على التو.. تصيح في ابيها الذي يتابع الاخبار على التلفزيون : بابا.. انظر الى رسمتي هذه؟ ما رأيك فيها؟
الأب يتابع الاخبار دون ان يدير وجهه
: همم.. نعم نعم.. انها جميلة!
البنت تحتج عليها: أبي انظر الى الرسمة.. هل اعجبتك الالوان؟
الاب ينظر اليها بعيون زائغة
ويهمهم مرة اخرى بفرح اصطناعي: اه نعم.. اعجبتني الالوان.. هيا انصرفي الان وتابعي الرسم!!
***
قد تكون المقاطع الفلاشية السابقة مضحكة.. او تثير استياءك.. لانها معروضة امامك.. لكن للاسف نحن نعيش هذه السيناريوهات “لايف” مع ابنائنا كل يوم من حيث لا نشعر!!
هل لاحظتِ القاسم المشترك في الحوارات السابقة؟؟
ابنك يأتي اليك ليعبر ويفضفض وينفس عن مشاعره.. مشاعره ليس الا.. هو ينشد التواصل.. واذنا تستمع اليه.. وتؤكد له ان ما يشعر به طبيعي للغاية.. ويستحق منك كل اهتمام!
لكن ماذا يكون تصرفك نحوه؟
انتِ “بحسن نية” تريدين ان ينضج بمشاعره.. تعرفين الاسباب التي يجب عليه الا يشعر بهذه الطريقة. فتنطلقين بدون فرامل لتعطيه الوصايا والمحاضرات ظانة انه سيصبح رجلا ناضجا بعد هذه المحاضرات!
لكن احزري ماذا..
طفلك تلقائيا سيتمسك بمشاعره.. لن تتغير.. فهي طبيعة بشرية.. وكل ما في الامر انه سيصبح اقل اندفاعا ليخبرك عن مشاعره.. ويقرر في المرات القادمة ان يحتفظ بها لنفسه حتى لا يتعرض للمزيد من النصائح التي تقول ان شعوره هذا غير مقبول!
حتى المشاعر الايجابية.. مثل الطفلة التي رسمت اللوحة.. او التي نجحت في الامتحان.. او التي حققت شيئا مهما.. تستقبلين الامر ببرود.. وانتِ منشغلة في شيء اخر.. ولا تكلفين نفسك عناء الاستماع بشكل كامل.. وكأنها كطفلة فان حديثها “لا يستحق” منك الاهتمام الكامل اصلا.
انا اريد ان اسألك سؤالا…
تخيلي مثلا مثلا.. انكِ كنت غاضبة.. حانقة.. مراجل عقك تغلي.. من موقف ما.. ورفعتِ السماعة مع اعز صديقاتك.. كلك شوق ولهفة لتنفسي بالتفصيييل عن مشاعرك وما حصل معك.. وما ان القيتِ كلمتين .. حتى فوجئت بها تضحك ببرود وتقول: عااااادي.. مريت بمثل هذه المواقف كثيييرا.. طنشي!! ثم تسهب لك في الحديث عن قصة حياتها.. وتلجم لسانك عن قول بقية “تحويشة” كلامك!!
ما هو شعورك وقتها؟؟؟
حنق؟ غضب فوق غضبك؟؟؟ احباااااط؟ خيبة امل؟؟؟
طيب وبعد ذلك؟؟
انكماش.. انعزال.. وانطواء.. احساسك بأنك غير ذات قيمة.. وعدم رغبتك في التحدث والفضفضة مع هذه الصديقة بالذات!!
اليس كذلك؟؟ طيب وماذا بعد؟؟؟
تغلقين السماعة .. لتفرغي عواطفك المكبوتة اما بالصراخ على اخوتك.. او ضرب ابنائك.. او مشاكسة زوجك وافتعال مشكلة معه!!!!!!!
وهذا بالضبط ما يحصل مع ابنائك.. تدريجيا.. يوما بعد يوم.. وعاما بعد عام..
لا اكثر ولا اقل!!!
قرأتُ مرة في كتاب “ما لا يقوله الرجال للنساء” لماجي هاميلتون ، ان وجود فروقات في تربية الولد عن الفتاة منذ الطفولة، هو الذي يخلق الكثير من المشاكل النفسية في الرجل بعد الزواج.. وكثير من زوجات هذا الجيل يشهدن هذه المشاكل النفسية في ازواجهن، من الصمت، والعصبية، وعدم القدرة على الحوار، والاهمال او عدم تحمل المسؤولية.
فكيف يتربى الولد بشكل مختلف؟ بالكبت المستمر لمشاعره!! انت رجل عيب ان تبكي. انت رجل عليك ان تتحمل المسؤولية. انت رجل عليك وممنوع عليك وممنوع!!
هل لاحظتِ الضغط الهائل على نفسية الطفل؟؟ عفوا.. الرجل!!!!!!!!!
وهو بالنهاية طفل يا ناس.. طفل يا عالم!!!
نعم.. نظن اننا هكذا نربي رجلا.. ذا شخصية جلدة قوية، تتحمل مصاعب الحياة، في حين اننا نخلق شخصية باردة منطوية لا تعرف كيف تتواصل مع العالم او حتى تتفهم مشاعر من حولها!!!!
اذن ما اهمية الاستماع الفعال؟؟ ما اهمية التواصل مع مشاعر ابنائنا بالطريقة الصحيحة؟
لثلاثة اسباب:
1. لاننا بالاستماع الى مشاعرهم يشعرون باننا نفهمهم ونتقبلهم .
فلا اجمل ولا اروع في هذا العالم من ان يعطي شخص ما نحبه ونقدره وقته وقلبه ليستمع الينا، ويتفهم مشاعرنا ويدعمها. مما يعطينا شعورا عاما بالاسترخاء والثقة بالذات والاقبال على الحياة بكل حب واريحية.
2. لانهم سيلجأون الى التعبير عن المشاعر السلبية بالحوار الهادئ.
فالابناء الذين يعرفون مشاعرهم ويعبرون عنها باستمرار (دون كبت) بالحوار الهاديء مع الاباء، يميلون للتعبير عن المشاعر السلبية بالحوار الهاديء ايضا، ولا يلجأون الى اساليب عنيفة كالضرب او مؤذية كالشتم او سلبية كالعزلة والانطواء للتعبير عنها.
3. لانهم سيكونون اكثر اعتمادا على انفسهم ويقومون بخيارات اخلاقية افضل.
فتنفسيهم المستمر عن مشاعرهم بالاستماع والحوار الفعالين مع الاباء يجعلهم اكثر ثقة بانفسهم، واكثر تقديرا لمشاعر الاخرين حولهم، واكثر قدرة على مقاومة تأثيرات وضغوطات اصدقاء السوء، واكثر استعدادا لقبول التوجيهات من الاباء والامهات.
نأتي الى الزبدة اذن.. كيييييف يكون الاستماع الفعال؟
بثلاثة امور:
اولا: تواصلي مباشرة بالعين مع طفلك.
عندما يأتي ابنك شاكيا.. او باكيا.. او سعيدا.. يريد ان يتحدث .. ولو حتى جملتين.. اتركي ما في يدك، وانزلي لمستوى وجهه وانظري في عينيه مباشرة. اشعريه بأنه اهم شخص لديكِ في العالم لذا فانتِ تتركين كل شيء في هذه اللحظة لاجل ان تركزي كل اهتمامك معه. وان كان الامر اصعب من ان تتركي ما في يدك، فعلى الاقل قومي بالاتصال مع عينيه مباشرة، فهو يعطيه شعورا باهتمامك المباشر بما سيقوله.
ثانيا: اسأليه اسئلة ذات نهايات مفتوحة
لا تقومي باستنتاجات، لا تصلي الى نتائج عفوية، بل اتركيه يعبر بطريقته الخاصة، واجعليه يعبر اكثر باسئلة مفتوحة النهايات تتطلب اجابات اطول. مثل كيف؟ وماذا؟ وليس من؟ متى؟ لماذا؟
قولي السؤال واصمتي.. انتظري اجابته.. حتى لو هرش رأسه.. او شعر بالحرج من الاجابة.. اصمتي اكثر واعطيه فرصة ليعبر تدريجيا في كل مرة.
فرملي رغبتك العارمة في اعطاء النصائح.. بلاش فلسفة ارجوكِ.. واتركيه يعبر ويستنتج حتى يصل الى ما تريدين قوله له.. دون ان تقولي حرفا واحدا.
ثالثا: تفهمي مشاعره وتقبليها
لا تحاولي ابدا انتقاد مشاعره.. لا تحاولي ابدا تغييرها. تقبلي ما يشعر به فهو ليس في سنك وانما في سن طفل لا يزال يتحسس طريقه في الحياة. اتركيه ليعيش كل انواع المشاعر، واسأليه الاسئلة التي تستدرج هذه المشاعر..فكلما مر بمشاعر اكثر وعبر عنها، كان اسهل عليه ان يتفهم غدا مشاعر الاخرين الذين مروا بنفس هذه المشاعر.
***
والان.. لنعود للسيناريوهات الاربعة السابقة.. لنرى كيف يكون الاستماع الفعال مع اطفالنا:
* يأتي ابنك مذعورا من حشرة صغيييرة رآها على الارض: ماما .. الحقيني.. رأيت حشرة مخيفة..
تنظرين اليه وتقولين بجدية: اووه.. حشرة.. حقا؟ بماذا شعرت عندما رأيتها؟؟؟
* تأتي ابنتك قلقة من الحبوب والبثور التي بدأت بالظهور على وجهها: أمي.. الفتيات في المدرسة يسخرن مني ومن الحبوب في وجهي.. و…
تنتظرينها حتى تكمل حديثها ثم تبتسمين: عندما كنت في مثل سنك شعرتُ بنفس الشعور مثلك. انه امر مقلق بالفعل. ما هو شعورك عندما تسخر الفتيات منك؟ كيف تعتقدين انه يجب عليكِ التصرف حيال هذا الامر؟
* يأتي الولد الى ابيه غاضبا من اخيه ويصرخ قائلا: أبي.. انا اكره اخي.. انه يستولي على كل العابي..
فيقول له الاب بكل هدوء: حسنا.. يمكنك ان تخفض صوتك فانا اسمعك جيدا.. وبالتأكيد اذا استولى احد على العابي فسأغضب منه كثيرا . في اعتقادك ما الذي جعل اخاك يفعل هذا؟ / او ما الذي تقصده بأنك تكره اخاك؟
* تأتي البنت الى أبيها سعيييدة فرحة بالرسمة التي انهتها على التو.. تصيح في ابيها الذي يتابع الاخبار على التلفزيون : بابا.. انظر الى رسمتي هذه؟ ما رأيك فيها؟
الأب يدير جسده كله وينظر الى رسمة ابنته ويبتسم وينظر الى عينيها قائلا: رااائع.. ألوانك جميلة جدا. كم انا سعيد لسعادتك يا ابنتي.. هيا تابعي رسمك واريني المزيد!
هكذا ببساطة..
***
اتركي المجال ليعبر ابنك عن نفسه.. دعي ابنتك تطلق مشاعرها بدون خوف او تردد من ردة فعلك..
وتأكدي تماما.. كلما فتحتِ ذراعيك لابنائك لتستمعي وتصغي الى مشاعرهم ومشاكلهم.. كلما زادت اواصر المحبة والاحترام والتقدير بينكم.. وكلما كانت اسرتك متماسكة، بدون اسرار، بدون بلاوي من تحت لتحت، بدون اساليب عدوانية عنيفة او سلبية منطوية..
واختم دورة التربية الذكية.. بموقف لا انساه ما حييت مع احدى الامهات في تركيا، التي كانت تربط زوجي بزوجها علاقات عمل، وكانت تشجعني باستمرار ان اساعد زوجي واخرج معه الى العمل كما تفعل هي مع زوجها، وعندما أسألها بتعجب ولمن اترك اولادي؟ من يربيهم؟ تقول لي وهي تنفث دخان سيجارتها ببرود، وتشير الى صغيرتها ذات الشهور الست في قفص اللعب الخاص بها:
ولمَ تحتاجي لاحد ان يربيهم؟ الاطفال في هذا الزمن يا عزيزتي يربون انفسهم بأنفسهم.. اشتري لابنتك الصغيرة قفص العاب مثل هذا وضعي فيه كل ما تحتاجه من العاب واتركيها فيه لتلعب وتقضي يومها بمفردها، وانتِ تتفرغين لمشاريعك واعمالك!
طبعا حملقتُ باشفاق في طفلتها الصغيرة وهي تلعب كفأر تعيس في قفصه.. يا الهي.. هل هناك حقا امهات يفكرن بهذه الطريقة؟؟؟؟؟؟
فقط اطلب منك الان ان تتخيلي.. تخيلي فقط.. ما هو حال الفتاة الصغيرة اعلاه.. بعد عشرة اعوام من الان.. او عشرين عاما من الان.. وبتكرار نفس الاسلوب اعلاه.. كل يوم وكل شهر وكل عام!! ماذا ستصبح؟ كيف ستكون؟ أي شأن لها في هذا الكون؟
اترك الاجابة لك..
والان تخيلي صغيرك.. او طفلتك انتِ.. ماذا تريدينه او تريدينها ان تكون؟
هل تريدينها “كوبي بيست” عنكِ؟
ام..
تريدينها افضل منكِ…… بمراحل؟
سؤالي: هل انتِ مستعدة لدفع هذا الثمن؟
اذن ابدئي الان.. وليس غدا.
اروع تحية لامهات استروجينات
((تنويه: بالرجاء الالتزام بحقوق المدونة في حال نقل أي جزء من دورات استروجينات))
Tweet

قال:



