تتشاجر في ذهني العديد من الذكريات.. الكثير من القصص المتناثرة هنا وهناك.. من واقع الحياة.. او على الانترنت.. عندما تخطو الفتاة اولى خطواتها نحو الزواج.. وتستكشف اسلوب حياة سكان كوكب المريخ من خلال الاخ “العيّنة” الذي يتقدم لطلب يدها.. فهي تارة تتصرف بعفوية وبراءة وشيء من الهبالة.. وتارة تكيل له بمكيال المفهومية والدهاء وشغل الحريم الذي ترعرع في طيات جيناتها عبر كروموسومات والدتها..
يعني مثلا بالامس قرأت مشكلة لاحداهن على الانترنت.. ولم تسعني تعابير وجهي وخلايا مخي من الضحك او الهلع من طريقة تفكيرها.. وهي تستفتي قوم المنتدى من صديقاتها حول اكتشافها لخيانة “خطيبها” لها.. بالدليل القاطع والجرم المشهود.. ومع ذلك تفكر في مسامحته بعد اعتذاره لها وتقديم فروض الندم والطاعة.. فهل تكمل مشوار الخطوبة معه؟؟!!!
لا يا شيخة؟؟؟
الحقيقة احيانا افكر اننا “معشر النساء” نستاهل قنبلة نووية على ادمغتنا.. لنفيق من غيبوبة الرومانسية والقلب الحنون والعيون المسبّلة التي اغرقتنا بها قصص عبير واحلام وافلام ابيض واسود وتأوهات ام كلثوم!!
يعني تكون امام عيني الفتاة خطوط حمراء واااضحة.. لمبات اشارة مولعة تزغلل عينيها كاضواء دورية شرطة.. او تصم اذنيها كابواق سيارة اسعاف مسعورة.. ومع ذلك.. تختار بمحض ارادتها (هبلها) او قمة حسن نيتها (برضو هبلها).. ان تتجاهل كل هذا المهرجان الاحمريكا حولها.. وتغمض عينيها كقطة لطيفة مؤدبة و……..
ايييييه… يا قلب لا تحزن….
المهم.. اين كنا؟؟
طيب.. اليوم وعدتك بأن اثرثر معك حول قصة مؤمنة..
مؤمنة يا ستي فتاة تركية محجبة تعرفتُ اليها منذ اعوام.. فتاة لطيفة حلوة المعشر.. تحمل بين طياتها براءة الاطفال وعفويتهم.. حيية خجولة.. من عائلة متدينة ملتزمة تحرص على تعلم اللغة العربية وحفظ القرآن الكريم..
تقدم لها احد اقاربها.. شاب ذو خلق ودين.. موظف بسيط على قد الحال.. المهم انه محافظ على الصلاة.. دمث طيب.. فيه كل ما تتمناه فتاة بمثل تفكيرها وطريقة حياتها..
رحبت عائلة مؤمنة به بحرارة.. وتم عقد قرانهما في حفل متواضع.. على ان يتم تأجيل الزفاف فترة لحين اتمام جميع التجهيزات المادية واستقرار الخاطب وظيفيا..
الى هنا والقصة عادية.. مكررة.. في بيوت الكثير من المخطوبات
ولكن..
قرر الخاطب بعد مدة من القران ان يبحث عن وظيفة افضل في احدى الدول الاوروبية.. حيث يذهب اليها اغلب اقرانه الذين ضاقت بهم الحياة براتب موظف ضئيل لا يسمن ولا يغني من جوع..
تفاجأت مؤمنة بهذا القرار الذي لم يكن موجودا اصلا في اجندة مخططاتهما كخاطبين مقبلين على دخول حياتهما الزوجية.. واثار الامر قلقها وحاولت ان تعدله عن قراره.. ولكنه خفف الامر عنها بأن الامر بسيط جدا.. فما ان تستقر اموره في وظيفته هناك.. ويهيئ عش الزوجية.. حتى يعود ليقيم الافراح والليالي الملاح.. ثم يأخذها معه الى ارض الاحلام فيعيشان فيها حياة كريمة من بحبوحة العيش الرغيد!
كان يبني لها في الهواء قصورا.. ويدغدغ عواطفها عبر اثير هاتفها المحمول بالكثير من مشاعر الحب والغزل الحلال بين اي زوجين عاقدين..
وزادت اللقاءات بينهما.. وزادت حميميتها… مما أزعج مؤمنة.. فهي لا تريد ان تحرمه من الاستمتاع بحلاله.. بنفس الوقت لا تريد ان تنزلق في المحظور قبل ان يتم الزفاف..
ونعم.. في الكثير من المناطق التركية ستجدين طريقة التفكير مماثلة لمجتمعاتنا العربية والاسلامية.. لا دخول قبل الزواج.. وشرف الفتاة وعفتها فوق كل اعتبار.. والا……..
كانت مؤمنة تلمّح لوالديها من حين لاخر بأنها لا تريد البقاء وحدها مع خطيبها.. حتى لو كان زوجها شرعا.. ولكنهما في كل مرة كانا يهوّنان من أهمية مخاوفها بل ويستنكرانها.. وان الرجل ثقة هو وعائلته.. على دين وخلق.. ومن المستحيل ان ينزلق ويخون ثقتهم ابدا!!
وعلى مضض.. زادت اللقاءات لطول مدة الخطوبة.. وزادت مخاوف مؤمنة وهي تحاول ان تمنع خطيبها في ان يتمادى معها بأسلوب مهذب لطيف نابع من طبيعتها الحيية الخجولة التي نشأت عليها..
ولكن خطيبها كان يتحسس الحدود التي تضعها له على استحياء.. ويتجاوزها في كل مرة.. حتى استغل غياب اهلها عن البيت في احدى المرات.. ولم يستطع ان يمنع نفسه من حلاله.. وتنازلت تحت إلحاحه فوقع المحظور!!
كيف؟ متى؟ لماذا؟
كانت الصدمة اكبر من ان تستوعب ابعادها مؤمنة.. وكأنها في غيبوبة من المشاعر الملتهبة المتضاربة.. ما بين سعيها لارضاء زوجها واطفاء شهوتهما التي تتأجج في كل لقاء.. وما بين الاعراف والتقاليد التي تربت عليها.. والتي توجب محافظة الفتاة على نفسها حتى يوم الزفاف..
ببراءة شديدة.. اقنعت مؤمنة نفسها بأن الامور على ما يرام وكل شيء تمام.. وانها لا تزال زوجته حلاله.. وستمضي الامور كما هو مخطط لها.. وسيقام حفل الزفاف قريبا بعد الانتهاء من التجهيزات.. و…..
وكتمت الامر عن أهلها.. دون ان تتفوه بحرف واحد عما حدث!
وبقي الامر سرا بينها وبينه.. ومضت الايام.. مرت الاسابيع والشهور.. ولاحظت مؤمنة بقلق.. كيف تراجعت لهفته عليها.. وكيف خفتت جذوة شهوته تجاهها.. حتى اصبحت لقاءاتهما عادية فاترة تتناول اخبارا مملة مكررة..
طردت مؤمنة عن رأسها الوساوس.. واقنعت نفسها بان الامر راجع لانشغالاته ومسؤولياته المقبلة.. وان الامور لا تزال على ما يرام.. وانه سيسافر.. ثم يعود اليها لاتمام الزفاف كما وعدها..
وحصل خطيبها على فيزا ارض الاحلام.. واخذ يتمم اجراءات سفره بسعادة غامرة.. ويلقي بقبلاته في الهواء لخطيبته في المطار.. وهو يتوجه نحو المستقبل المشرق الواعد.. وودعته مؤمنة وهي تغالب دموعها.. وقد امسى قلبها فارغا.. يحمل شكوكا ومخاوف الى جانب الامال والاحلام…
ستسير الامور على ما يرام.. كل شيء تمام.. ستسير الامور…………
مضت الايام.. والاسابيع.. وكانها كتلات من الجمر تتقلب عليها مؤمنة..
فجأة.. اصبح مزاجه متعكرا في كل مكالمة معه تفتح فيها حديث عودته اليها لاتمام الزفاف.. واصبح يتهرب من الاجابة ويتعذر باعذار لا متناهية.. تمنعه من العودة الى الوطن!!
تارة ان الشركة طردته.. وتارة ان اقامته منتهية وانه لو سافر فسيتم القبض عليه.. وتارة انه لا يستطيع ان يستخرج لها فيزا بدون وظيفة.. وتارة انه يبحث عن وظيفة جديدة وستكون الاحوال افضل.. الخ الخ..
وامتدت الاسابيع الى اشهر.. ثم الى سنواااات… وحال مؤمنة يتبدل بين الخوف والرجاء.. وتحولت لهجة محادثاته معها شيئا فشيئا.. من كلام الحب والغزل والطمأنة.. الى البرود والفتور والشجار والاتهام والتهرب حتى من رفع السماعة!
وفي كل ليلة.. كانت مؤمنة تضع رأسها على وسادتها ودموعها تحرق وجنتيها.. فهي لم تكن تملك في وضعها ذلك ان تهدد او تتوعد خطيبها بشيء..
فلا اهله يقدّرون وضعها او ظرفها.. او حتى يُظهرون اهتماما بعودة ابنهم لاتمام هذا الزواج.. ولا هي تستطيع مواجهة اهلها والمجتمع المقرب حولها.. الذين باتوا يحاصرونها بشكوكهم بسبب اصرارها على عدم الطلاق.. وقد مضت كل هذه المدة.. والعمر يمضي بها.. وخطيبها لا توجد بارقة امل في عودته من الخارج!!
وتحققت ابشع كوابيس مؤمنة التي لم تكن لتتخيلها.. اذ صارت تتنازل المرة تلو المرة.. ولا تفكر بشيء سوى ان تجتمع مع خطيبها تحت سقف واحد.. بدون عرس او زفاف.. بدون فستان ابيض وفرحة عروس..
المهم ان تجتمع به.. بأي شكل وخلاص..
بغض النظر عن كلماته الجارحة لها..
بغض النظر عن تعليقات والديها الرافضة لذلك..
بغض النظر عن البرود المهين لاهله تجاهها..
حاولت بكل الطرق أن تقنع والدها بالحصول على تأشيرة والسفر معها الى ذلك البلد الاوروبي.. ولكنه كان يثور ويرفض في كل مرة ويصر على طلاقها من ذلك الرجل وان الله سيعوضها بأفضل منه!!
صارت تتخبط غير مصدقة من هول الواقع الذي تعيشه.. وزهرة شبابها تمضي دون حتى ان يبدو ان خطيبها يكترث لذلك!
رغم انكارها للواقع.. الا انها كانت تعلم في اعماق قلبها ان خطيبها لم يكن ليضيع كل تلك السنوات وحيدا في غربته.. وانه تزوج بطريقة او باخرى ليتابع ويستمتع بحياته.. وما كان لينقصه شيء ليفعل ذلك..
فقد حصل على منتهى ما يريده منها.. ومضى!!!!!
“انا لله وانا اليه راجعون”..
وسط التخبط.. والذل.. والالم.. لم تفقد ثقتها بالله لحظة واحدة..
“اللهم اجرني في مصيبتي واخلفني خيرا منها”..
رغم نصيحة احدى صديقاتها المقربات لها بالقيام بعملية “ترقيع”.. لم تفقد أملها بالله بأنه يوما ما سيعوضها!!
ألقت مؤمنة احمالها على سجادة صلاتها.. وتوسدت عتبات ابواب ربها.. واغلقت خلفها ما دون ذلك!
وصارحت اخيرا والديها بكل شيء.. وتحملت بانكسار براكين وحمم الغضب حولها.. واحنت رأسها وظهرها وركبتيها للعاصفة التي هاجت وماجت عليها..
حتى هدأ كل شيء..
وحدث الطلاق ببرود.. وفوقه العديد من التنازلات المادية..
وتهالك جسدها اخيرا.. يجتر مرارة سنوات المفترض ان تكون اجمل سنوات عمرها.. فاذا هي تدفع ثمن اخطاء.. لا تدري احقا كانت اخطاؤها ام اخطاء غيرها!!
مضت الاشهر والسنوات.. وبدأت مؤمنة تستعيد حياتها الطبيعية تدريجيا.. ولا تزال تحمل في صدرها وقلبها الكثير من الجروح والدمامل والندوب..
لا تذكر متى جفت دموعها.. واستعادت اولى ضحكاتها.. ولكنها أقبلت للحياة من جديد
وتقدم لمؤمنة خاطب جديد خلوق وطيب.. يحمل من الصفات اضعاف خاطبها القديم.. كان بمثابة هدية ربانية مغلفة بورق من السلوفان الراقي.. تحتوي كل ما تشتهي وتريد..
اتقبل؟؟
اتصارحه بما مضى؟؟
عادت غمامة الماضي الكئيب تلفها وتلقي بظلالها على حياتها.. وهي ما كادت تتناسى همومها.. لتفجع بالحقيقة المُرّة.. بأن حقها في الزواج قد تلاشى للابد!!
حادثتني كثيرا.. تتخبط في يأسها.. واقترحتُ عليها بالنهاية ان تعاين لدى طبيبة نسائية.. لتتأكد من وضعها.. قبل ان تحكم على نفسها بالاعدام باوهام لا اساس لها.. وتضيع على نفسها فرصة حياة جديدة!!
بعد فترة تردد.. ذهبت خائفة مع صديقة لها.. وانتظرت دورها وقلبها يكاد يقفز من بين ضلوعها.. وكانت المعاينة.. التي كشفت انها لم تفقد عذريتها لحظة واحدة.. طوال تلك السنوات!!!!
كيف؟
لا احد يدري.. لا انا ولا هي ندري حتى الان..
هل كانت معجزة؟؟
ربما..
المهم ان مؤمنة أتمت حفظ كتاب الله تعالى.. وتعيش الان بكل سعادة مع زوج رائع.. وينتظران طفلتهما الاولى
كانت تلك قصة مؤمنة.. و……
يووووه استاذة خلود.. قصتك والله مكررة.. ما الجديد هنا؟؟؟
كلامك صحيح.. لا استبعد ان تكون هناك الالاف من نسخ مؤمنة منتشرة هنا وهناك… والالاف من قصة مؤمنة مكررة في مكان ما ايضا.. فالعبرة هنا واااضحة جدا.. وحفظناها من القصص حولنا وقصص الافلام والمسلسلات حتى..
لكن..
اسمعيها مني
وحاولي ان تنبّشي بين السطور.. واقرئي القصة مرة واثنتين وثلاثا.. ركّزي في بعض الجمل.. فستصيدين الكثير الكثييير..
صدقيني!
لا تضعي لي عقلك في اجازة وتطالبيني بتحليل ما وراء الكواليس على غرار ما فعلتُه مسبقا في قصة سلوى والوحول المدنسة
تلميحة: اقرئي تدوينتي السابقة.. حول ثلاث نساء.. وهاتي عقلك من الاجازة
تلميحة اخرى
: القصة جزء من بازل.. او صورة كبيرة.. ستتممها قصص بقية النساء الثلاث.. واتحداكِ ان تحزري ما هو الشكل النهائي للصورة الكبيرة
ثرثري هنا حول ما غمزت به صنارتك من صيد ما بين السطور.. انا بانتظارك
الى ذلك الحين.. موعدنا مع القصة الثانية..
قصة رهف
![]()
Tweet

قال:







