عادت وزفرات ساخنة تخرج من صدرها.. تتأمل في نفسها بالمرآة..
تلك الهالات السوداء التي تكورت تحت عينيها من شوك السهاد.. وتلك الشعيرات البيضاء التي زحفت على شعرها من هول المصيبة..
تتأمل بقية من جمالها الاخاذ.. الذي طالما اثار غيرة وحسد وغبطة النساء من حولها..
تساءلت:
لماذا؟ كيف؟ أين؟
ماذا كان ينقصني؟ ماذا كان ينقصه؟؟
كيف فعلها؟ كيف هانت العشرة؟؟
أين الخطأ؟ اين التقصير؟؟؟؟
هل هذه النهاية؟
ام هي البداية فقط؟؟
حور.. كلما تذكرتُها.. استحضرتُ في ذهني صورة أميرة من العصور الوسطى..
هي جميلة.. بل فاتنة.. بل ساحرة الجمال.. وجهها من تلك التحف الربانية النادرة التي تخلط الجمال الاوروبي بالاصالة العربية.. لها ابتسامة خجول تميزها.. يحمر وجهها على اثرها بحمرة محببة تورد وجنتيها الناعمتين.. وتنسدل على جبينها بضع خصيلات ناعمة تسللت من شيلتها التي تحيط وجهها بغير احكام..
تزوجت في مقتبل شبابها.. من قريب لها.. شاب تاجر بسيط.. ولكنه شديد الاناقة والوسامة.. فكان نتيجة هذا الزواج براعم غضة طرية نافست الوالدين في جمالها الرباني..
مرت السنوات والاعوام.. وازدهرت اعمال زوج حور.. وصار رجل اعمال مميزا.. ووسط بحبوحة العيش الرغيد انتقلت الاسرة لتعيش في فيلا.. بل قصر جميل.. تناثر فيه الاولاد.. كل له غرفته الخاصة.. حمامه الخاص.. تلفونه الخاص.. وجهازه المحمول الخاص..
مرت السنوات والاعوام ولم تخدش من جمال حور شيئا.. بل بقيت بوجهها الملائكي وابتسامتها الخجلى.. كأنها لوحة موناليزا تحت الاضواء.. كلما مرت عليها السنوات زادتها تألقا وبهاء..
كان زوج حور يزداد انشغالا.. وتتابع اجتماعاته وسفرياته المكوكية.. كانت الصفقات والاموال تنهال عليه من كل جانب.. وكانت ضريبتها المزيد والمزيد من الانغماس والانشغال عن اسرته.. حتى انه كان يغيب بالايام والاسابيع في سفريات اعماله.. وعندما يكون متواجدا يعود في آخر الليل الى زوجته..
تحدثت حور مرارا مع زوجها تطلب منه ان يخفف اعباء اعماله.. أن يلغي صفقة هنا.. او عملا هناك.. تهمس له بأنها تحتاجه.. بأن ابناءه يحتاجون الى تواجده وتواصله معهم.. ولكنه كان يتحجج بأن الحياة لا ترحم.. وانه يوفر لها ولاولادها رفاهية لا يحلم احد مثلها.. لديها ارقى انواع ماركات الملابس والعطور ومستحضرات التجميل.. جيدها واذنيها واصابعها تتزين دوما باخر موضات الذهب والالماس.. لديها الخدم والحشم.. لديها سيارة وموبايل من احدث طراز ويتجددان كل عام.. اولادها يدرسون في مدارس عالمية باهظة التكاليف قل ان يدرس فيها من هم في مثل سنهم من اقرانهم واقربائهم..
كانت تصمت على مضض.. وتنظر بحسرة الى كل هذا النعيم حولها.. نعيم موحش.. لا يشاركها فيه زوج حبيب..
في احدى المرات.. قررت حور ان تفاجئ زوجها وهو عائد من احدى سفرياته الطويلة.. ارتدت احدى عباءاتها المطرزة.. وضعت بعضا من التبرج الناعم على وجهها.. ولم تنس رشة عطر سريعة من J’adore.. وانطلقت بسيارتها الفارهة متوجهة نحو المطار.. وابتسامة تعلو وجهها وهي تتخيل وقع المفاجأة عليه!
مضت الدقائق والساعات.. انتظرت كثيرا.. تأخرت الطائرة.. لعله خيرا.. وصلت طائرة زوجها.. وبلهفة راقبت من خلف الزجاج وجوه القادمين.. حتى ظهر وجه زوجها وهو يقود عربة فارغة امامه.. ويصل الى حزام الحقائب المتحرك.. يتناول حقيبته الصغيرة.. ويضعها في العربة.. ثم يتناول حقيبة اخرى.. حقيبة انثوية حمراء.. ويتناولها ايضا ويضعها في العربة.. وقبل ان تعلو الدهشة وجه حور.. ارتسمت على وجهها أمارات الذهول.. حينما رأت تلك المرأة وهي تأتي من خلف زوجها تقبله على وجنته ببساطة.. وتمشي متأبطة ذراعه وهي تضحك وتعلق باشارات يدها في الهواء..
ركضت حور الى بوابة صالة الخروج.. تحاول ان تكذب عينيها.. لا.. بالتأكيد هذا حلم.. كابوس.. وقفت مذهولة خلف الجموع الاخرى التي تنتظر القادمين.. تتأمل زوجها وهي يمشي ضاحكا مع تلك المرأة.. تلك المرأة.. ذات الشعر الأشقر المموج.. والمكياج الصارخ.. والتنورة القصيرة لما فوق الركبتين.. زوت حور ما بين حاجبيها والارض تميد تحت قدميها.. لقد.. لقد رأت هذا الوجه من قبل..
ثم شهقت وهي تغطي فمها محاولة الا تلفت انتباه احد حولها.. يا الهي.. انها سكرتيرة زوجي مروة!!!!!!
ودت لو انها ركضت ونزعت شعر تلك المرأة من فروة رأسها.. ودت لو انها مزقت ثيابها امام الجميع.. ودت لو انها ارتكبت مذبحة تسيل فيها الدماء للركب..
لكنها وقفت هناك.. وكأنها كتلة من اللحم المتجمد.. تتأمل خروجهما معا من بوابة المطار.. فاغرة فاها.. وقد تحجرت الدموع في مقلتيها!!
بقيت حور على وقفتها تلك عدة دقائق.. مضت كدهر.. ثم تهاوت على اقرب مقعد رأته امامها.. باصابع مرتجفة.. اتصلت بأمها.. لا.. اغلقت الخط.. اتصلت بصديقتها… اغلقت الخط مرة اخرى.. ثم حسمت امرها.. وجرجرت نفسها الى الخارج.. واشارت لاول سيارة اجرة قادمة.. وانطلقت عائدة الى بيتها.. عفوا.. قصرها!!
هناك.. حزمت حقائبها.. وضعت فيها كل اثير لديها.. وانتظرت.. انتظرت.. انتظرت وهي تحترق.. حتى عاد زوجها في ساعة متأخرة كعادته.. واجهته وهي تصرخ بجنون.. تترنح كالذبيحة.. تهدده بالفضيحة.. تطالبه بالاعتراف بخيانتها.. صدمته صرخاتها.. وحاول تهدئتها.. واجابها بكل برود انه لا يخونها.. وان تلك السكرتيرة هي زوجته على سنة الله ورسوله!!
لا تذكر حور الاحداث بعدها.. هل فقدت وعيها؟؟ ام ارتكبت جريمة في زوجها؟؟؟
هي تذكر انها بقيت في بيت اهلها عدة اشهر.. ترفض العودة لبيتها وتطالب بالطلاق.. وزوجها يرفض طلاقها.. بل انه تجاهلها تماما وتابع سفرياته وانشغالاته مع سكرتيرته الحسناء .. والجميع من حكماء اهله واهلها يتوسطون للاصلاح واعادتها الى صغارها وبيتها.. وانه قضاء الله وقدره.. وان الرجل لم يفعل شيئا في الحرام.. وفكري بنفسك واولادك.. ولا تخربي بيتك وسنوات زواجك لاجل سكرتيرة هي بالتأكيد متعة مؤقتة.. لا تتهوري.. لا تهدمي بيتك.. لا تتعجلي.. اعطيه فرصة.. الخ الخ من العبارات المألوفة لغرض لملمة المشكلة!!
عادت حور.. الجميلة حور.. الفاتنة حور.. بكرامتها المهانة.. وكبريائها الجريحة.. داست على ذلك كله خوفا على صغارها..
تحت ضغوط حاجة اولادها اليها عادت.. نظرت الى اعينهم البريئة.. ودموعهم الشاكية.. تحاول ان تمسحها دون ان تجد من يمسح دموعها.. وتحاول ان تطبطب على قلوبهم دون ان تجد من يطبطب على قلبها..
عادت وزفرات ساخنة تخرج من صدرها.. تتأمل في نفسها بالمرآة.. تلك الهالات السوداء التي تكورت تحت عينيها من شوك السهاد.. وتلك الشعيرات البيضاء التي زحفت على شعرها من هول المصيبة.. تتأمل بقية من جمالها الاخاذ.. الذي طالما حسدتها عليه النساء من حولها..
تساءلت: لماذا؟ كيف؟ أين؟
ماذا كان ينقصني؟ ماذا كان ينقصه؟؟ كيف فعلها؟ كيف هانت العشرة؟؟ أين الخطأ؟ اين التقصير؟؟؟؟
دخلت حور معارك شرسة.. تحاول استعادة زوجها.. تحاول ان ترغمه على تطليق الاخرى.. تحاول تارة باسلحتها الانثوية.. بارضائه.. بجذب انتباهه.. او باثارة حنقه.. واستفزازه.. والكيد لها وله..
مضت الاعوام.. وحور تراوح مكانها.. تكسب معركة.. وتخسر اخرى..
مضت الاعوام.. وابناء حور يكبرون وسط الصراعات والنزاعات والتوترات..
مضت الاعوام.. وأنجبت مروة.. متعة زوجها المؤقتة.. الطفل الاول والثاني والثالث..
لماذا؟ كيف؟ أين؟
مضت الاعوام.. وحور تبتلع الاسئلة على مضض.. وابتلعت معها كل الاجابات…
في احدى المرات.. وفي قيام الليل باحد المساجد في رمضان.. كانت حور تصلي.. كعادتها كل عام.. تبكي كعادتها كل عام.. وتدعو الله.. كعادتها كل عام..
بعد الصلاة.. وهي تمخط انفها من طول بكاء.. رأت ورقة اعلان.. حول حلقات تحفيظ القرآن النسائية.. والتي ستبدأ بعد شهر رمضان.. أطرقت هنيهة.. وقالت لنفسها.. لم لا؟؟
بعد رمضان.. انضمت لاحدى حلقات التحفيظ في تردد.. وجدت تلك الوجوه البشوشة المضيئة.. اتخذت مجلسها بجوار احداهن.. تعرفت عليها.. وسرعان ما نمت صداقة جميلة بينهما..
تعلمت احكام التجويد.. وبدأت بحفظ قصار السور.. والاجزاء الاخيرة.. خائفة مترددة.. تخشى الا تتابع.. لكن تشجيع معلمتها واخواتها المستمر.. جعلها تتلهف في كل يوم للذهاب الى حلقة التحفيظ..
نسيت زوجها ومشاكلها معه.. نسيت اولادها ومتطلباتهم اليومية.. نسيت الخدم والحشم والجواهر والسيارات.. وانغمست حتى النخاع في حفظ القرآن..
لم تعد خصلات الشعر تنسدل على وجهها بدون قصد.. بل صارت عباءاتها اكثر حشمة وتسترا.. وقررت ارتداء النقاب والقفازات.. واستغنت عن التبرج والعطور وهي خارج بيتها..
خلال سنوات قليلة.. ودون كلل او ملل.. ورغم ما واجهته من صعوبات طوال تلك الرحلة.. أتمت حور أخيرا حفظ كتاب الله عز وجل
لم يتوقف طموحها عند هذا فحسب.. بل أتمت حفظ الكتاب بالقراءات السبع على ايدي اشهر مشايخ القراء في مكة المكرمة.. وعادت لتكون معلمة ومنارة بين قريناتها.. تقضي كل يومها في حلقات التحفيظ.. تُعلم القرآن.. وتتعلمه!
هل كانت هذه هي النهاية السعيدة للقصة؟
ربما
لكن على الهامش..
وبعد سنوات طويلة.. اصيبت الزوجة الثانية بامراض عصبية.. جعلت زوج حور ينفر منها.. فتركها مع اولادها في بلدها وطلقها.. واصبح قليل الانشغال بالخارج.. يعود الى بيته مبكرا.. ويشتاق الى حور كثيرا!!
كانت هذه قصة حور.. او اخر ما اعرفه عن قصتها.. فبالتأكيد قصتها مستمرة.. تدور وتدور..
مثلما هي قصة مؤمنة..
مثلما هي قصة رهف..
لا توجد قصة تتوقف.. ولا توجد نهاية سوداء او بيضاء..
لكن بالتأكيد هناك فصول تختلف في ظاهرها.. وتتشابه في باطنها.. لنتعلم منها حكمة واحدة تتكرر امامنا دون توقف!
والان.. هل تجمعت اجزاء البازل امامك؟
هل ادركتِ مغزى الاحجية الان؟
هيا.. لم يعد الامر لغزا.. قليل من التأمل.. وستفهمين ما ترمي اليه قصص النساء الثلاثة
اقرئيها ثانية.. اربطي بينها.. وتعالي هنا..
وفي جملة واحدة قولي لي..
ما هو حل الأحجية؟
ما هي العبرة؟
ما هي الحكمة خلفها؟
![]()
Tweet

قال:



